السيد عباس علي الموسوي
273
شرح نهج البلاغة
حملها أولئك الأقلّون عددا ، وهم أهل صفة اللّه سبحانه إذ يقول : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ . فأهطعوا بأسماعكم إليها ، وألظّوا بجدّكم عليها ، واعتاضوها من كلّ سلف خلفا ، ومن كلّ مخالف موافقا . أيقظوا بها نومكم ، واقطعوا بها يومكم ، وأشعروها قلوبكم ، وارحضوا بها ذنوبكم ، وداووا بها الأسقام ، وبادروا بها الحمام ، واعتبروا بمن أضاعها ، ولا يعتبرنّ بكم من أطاعها . ألا فصونوها وتصوّنوا بها ، وكونوا عن الدّنيا نزّاها ، وإلى الآخرة ولّاها . ولا تضعوا من رفعته التّقوى ، ولا ترفعوا من رفعته الدّنيا . ولا تشيموا بارقها ، ولا تسمعوا ناطقها ، ولا تجيبوا ناعقها ، ولا تستضيئوا بإشراقها ، ولا تفتنوا بأعلاقها ، فإنّ برقها خالب ، ونطقها كاذب ، وأموالها محروبة ، وأعلاقها مسلوبة . ألا وهي المتصدّية العنون ، والجامحة الحرون ، والمائنة الخئون ، والجحود الكنود ، والعنود الصّدود ، والحيود الميود . حالها انتقال ، ووطأتها زلزال ، وعزّها ذلّ ، وجدّها هزل ، وعلوها سفل . دار حرب وسلب ، ونهب وعطب . أهلها على ساق وسياق ، ولحاق وفراق . قد تحيّرت مذاهبها ، وأعجزت مهاربها ، وخابت مطالبها ، فأسلمتهم المعاقل ، ولفظتهم المنازل ، وأعيتهم المحاول : فمن ناج معقور ، ولحم مجزور ، وشلو مذبوح ، ودم مسفوح ، وعاضّ على يديه ، وصافق بكفيّه ، ومرتفق بخديّه ، وزار على رأيه ، وراجع عن عزمه ، وقد أدبرت الحيلة ، وأقبلت الغيلة ، « ولات حين مناص » . هيهات هيهات قد فات ما فات ،